حزب التحرير المغرب

أهداف القمة الأوروبية الجنوب أفريقية

أبو حمزة الخطواني

شهدت مدينة كيب تاون في دولة جنوب أفريقيا مؤخرا قمة استثنائية جمعت بين الاتحاد الأوروبي ودولة جنوب أفريقيا وصفت بأنّها دافئة، وانعقدت هذه القمة وسط مناخ سياسي مضطرب فرضته عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، والذي تسبّب بسياساته بحدوث توترات في العلاقات التجارية بين الاتحاد الأوروبي وأمريكا بعد أن فرضت تعريفات جمركية بلغت 25% على واردات الصلب والألومنيوم من دول الاتحاد الأوروبي، كما استهدفت إدارة ترامب في الوقت نفسه دولة جنوب أفريقيا فقامت بتجميد مساعدات حيوية لها، وبتهديدها بالمزيد من العقوبات بسبب مواقفها المخالفة لها.

وأعلن رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامابوزا في افتتاح القمة أنّ “هذه القمة تعقد في وقت يسوده عدم اليقين على مستوى العالم ويتسم بتصاعد الأحادية والقومية الاقتصادية”، بينما أعلن رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا أنّ النظام العالمي “يواجه تحديات متزايدة من الحمائية” في حين أكّدت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين أنّ هذا النظام العالمي الجديد هو “عصر المواجهة والمنافسة العالمية القصوى”، وأعلنت لاين عن خطّة استثمارات بقيمة 5.1 مليار دولار في جنوب أفريقيا لدعم الطاقة الخضراء وإنتاج اللقاحات، كما أعلنت عن بدء محادثات بشأن صفقات تجارية جديدة مع دولة جنوب أفريقيا.

وركّزت القمة في كيب تاون على ما يُسمّى بشراكات التحول العادل في مجال الطاقة وقال مسؤول أوروبي: “لدينا بالفعل مستوى عالٍ من التعاون، لكننا نطمح لتحقيق خطوات أكثر عمقاً، وهذه القمة تمثل دفعة قوية نحو تعاون أكثر استراتيجية”، وأضاف: “لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يعوض الفراغ الكبير الذي خلفته الإدارة الأمريكية الحالية، لكننا سنستعرض الوضع، ونتحاور مع جنوب أفريقيا، كما نفعل مع شركاء آخرين، حول كيفية تعزيز شراكة قوية بالفعل”.

ونجحت القمّة مبدئياً في التوصل إلى نتائج واضحة تتعلق بالتعاون الاقتصادي والاستراتيجي الواسع بين الطرفين، خاصة في ظل تصاعد السياسات العدائية التي أوجدتها إدارة ترامب والتي تغلّبت فيها السياسات الأحادية والحمائية بدلاً من السياسات التعاونية المعولمة التي سادت العقد الماضي في الساحة الدولية.
وتحدثت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، مع رامافوزا عن ضرورة تعزيز التعاون الدولي خلال الاجتماع.

وأضافت فون دير لاين أنّ أوروبا تتطلع إلى تعميق علاقاتها التجارية مع جنوب أفريقيا، التي تُعد بالفعل أكبر شريك تجاري للاتحاد الأوروبي في أفريقيا جنوب الصحراء، وقالت: “نريد تعزيز وتنويع سلاسل التوريد لدينا، ولكننا نريد القيام بذلك بالتعاون معكم”، واصفة ذلك بأنه فصل جديد في العلاقات بين الطرفين، ووصفت جنوب أفريقيا بأنّه: (شريك موثوق) وقالت: “يُكنّ كلا الجانبين احتراماً كبيراً للاستقرار والقدرة على التنبؤ والموثوقية”.

وواضح أنّ القاسم المشترك بين الاتحاد الأوروبي وجنوب أفريقيا في هذه الأيام هو أنّ كليهما مستهدفان من إدارة ترامب، إذ حُرمت جنوب أفريقيا من تمويل واشنطن، واتهمها ترامب بمعاداة المستوطنين البيض، وحمّلها مسؤولية تقديم ملف الإبادة الجماعية ضدّ كيان يهود أمام محكمة العدل الدولية.

وكانت أمريكا قد انسحبت من اتفاقية تمويل المناخ لمساعدة الدول النامية على الانتقال إلى الطاقة النظيفة، وكانت جنوب أفريقيا من أبرز المستفيدين منها حيث خسرت دعم أمريكا والتمويل الذي تمنحه لها.

وتعد دولة جنوب أفريقيا الشريك التجاري الأكبر للاتحاد الأوروبي في جنوب القارة الأفريقية إذ بلغ إجمالي حجم التجارة الثنائية بينهما 53 مليار دولار عام 2023، ويعتبر الاتحاد الأوروبي المصدر الأول للاستثمار الأجنبي المباشر في جنوب أفريقيا، إذ يمثل 47% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في البلاد.

ودولة جنوب أفريقيا هي دولة إقليمية مركزية في جنوب القارة الأفريقية، وتدور في فلك بريطانيا، واتفاقها هذا مع الأوروبيين الغالب أنّه جاء بقرار بريطاني في محاولة دبلوماسية بريطانية لتجميع القوى الأوروبية بشكل غير مباشر ضد السياسات الأمريكية.

فهذه القمة الأوروبية الجنوب أفريقية إذ تعبر بوضوح عن شكل من أشكال الصراع بين أمريكا وأوروبا، وتعكس اندلاع الحرب التجارية بينهما والتي تصاحبها حرب دبلوماسية، تزيد من شقة الخلاف بين جانبي المحيط الأطلسي.

لن تتوقف على الأرجح الحروب الاقتصادية التي تشعلها إدارة ترامب مع أوروبا ومع الكثير من دول العالم وهو ما يدل على أن سياسات إدارة ترامب الخارجية سوف تؤدي في النهاية إلى ضعف أمريكا نفسها وبالتالي بروز قوى دولية سياسية جديدة تنافسها على ريادة العالم، بل وربما تؤدي تلك التجارب الأمريكية الفاشية إلى الإطاحة بأمريكا وإزاحتها عن صدارة المشهد العالمي.

وفي خضم هذه الصراعات الجديدة في العالم والتي تسبّبت بها إدارة ترامب فإن هناك خيوطاً من ضياء تتسرب إلى حواضر البلاد الإسلامية والذي سوف ينتج عن حركته بإذن الله قيام أعظم دولة في الوجود، ألا وهي دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة.